عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
62
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
متابعا ، فإنك تدبر ثانيا أن تراه ، مرة أخرى ، وإذا حصل اللقاء مرة ثانية يزداد ميل الطبع إليه ، ويصير هوى القلب أغلب ، فستقصد اللقاء مرة ثالثة ، وتدخل في الحديث وإذا تكلمت وسمعت جوابا ، يصير كل عقلك وفطنتك في قيده ، مثل العجلة والرسن ، وتتخلف عن كل الأمور ، فإذا أردت أن تحفظ نفسك من بعد ذلك فلا تستطيع ، لأن الأمر يكون قد خرج من يدك ، ويزداد العشق كل يوم ، فيتحتم بعد ذلك ضرورة أن تكون متابعا للقلب ، أما إذا حفظت نفسك في اللقاء الأول ، فعند ما يطلب القلب ، توكل به العقل حتى لا يكثر من ذكر اسمه ، وتشغل قلبك بشئ ، وتستفرغ شهوتك في مكان ما ، وتعصب عينيك عن رؤيته ، فيكون كل ألم القلب أسبوعا ، ولا يذكر بعد ذلك ، فيمكنك تخليص نفسك من العناء سريعا ، ولكن مثل هذا العمل ليس عمل كل إنسان ، إذ يلزم رجل عاقل كامل العقل ، حتى يستطيع مداواة هذه العلة ، لأن العشق علة ، كما أن محمد بن زكريا الرازي قد أورد في تقاسيم العلل سبب علة العشق ، وعلاجها ، مثل الصوم على الدوام ، وحمل الحمل الثقيل ، والسفر الطويل ، وما أشبه ذلك ، أما إذا أحببت شخصا ترضى برؤيته وخدمته ، فجائز عندي ، كما قال أبو سعيد الخير : لا مفر للآدمى من أربعة أشياء : الأول خبز ، والثاني خرقة ، والثالث خربة « 1 » ، والرابع حبيب ، لكل شخص بحده ومقداره من وجه الحلال ، ولكن الصداقة شئ والعشق أمر آخر ، وفي العشق لا يطيب الوقت لأي إنسان ، ويقول ذلك الرجل العاشق بيتا في معنى نفسه : بيت نار عشقك هذه لذيذة أيها الحبيب * أرأيت قط نارا محرقة ولذيذة * * * واعلم بأن القلب يطيب دائما في صحبة الرجال ، ويكون في العشق دائما في المحنة ، ثم إنك إذا عشقت في الشباب فلا بد وأن يكون لك عذر ، ويعذرك الناس أيضا ، ويقولون إنه شاب ، فاجتهد أن لا تكون عاشقا في الشيخوخة ، فليس للشيوخ عذر قط ، وإذا كنت كذلك من جملة عامة الناس ، فإن الأمر يكون أهون ، فإذا كنت ملكا وكنت شيخا ، فحذار أن تفكر في هذا المعنى . ولا تربط قلبك بأحد في الظاهر ، فإن العشق للملك الشيخ أمر شاق . حكاية [ رقم 1 ] في أيام جدى شمس المعالي كانوا يتناقلون أن ببخارى تاجرا له غلام ثمنه ألفا دينار ، فحكى أحمد سعد هذه الحكاية عند الأمير قائلا : ينبغي لنا إرسال شخص ليشترى ذلك الغلام ، فقال الأمير يلزمك الذهاب ، فجاء أحمد سعد إلى بخارى وقابل النخاس ، وأحضروا الغلام واشتراه بألف « 2 »
--> ( 1 ) أي : بيت متواضع يأوى إليه . ( 2 ) لعلها بألفي .